تدجين الهزيمة
ربما لا يذكر عربي واحد متى كان هناك جو سياسي يدعو للتفاؤل آخر مرة. اللعنة القابعة في وسط المخيم الكبير المعروف باسم الوطن العربي قتلت كل آمالنا كعرب في تصالح مفترض مع أنفسنا, فكيف بالأخوة الأعداء في "إسرائيل"؟
سيبادر كثيرون لشتم "الهراء" الذي يقول بأن العرب عاجزون لدرجة أنهم يحملون آخرين وزر هذا السقوط المتواصل الذي نحياه كل يوم, هذا ممكن, لكني سأستشهد بمقولة عاهل السعودية في هذا السياق, وسأظل أفعل ذلك إلى أن يتغير "شيء" أو يتنحى واحد من هؤلاء المتربصين بالمقاعد. ألا وهي القول بأن معظم أسباب الانحطاط والتدهور يتحمله "القادة".
سأبرهن على صحة النظرية هذه أكثر, وذلك عبر سلسلة من الانكسارات التي خلط حابل السياسة بنابل الثقافة, وسم الاحتلال بسميد المجتمع.
لن أحتاج لأن أتكلم عن العراق, فآخر ما صدمني كان خبرا قرأته عن شاعر عراقي امتهن العمل الإداري ثم الأمني ثم الصحفي, شاعر "سابق" عمل كحارس أمني في قناة السماوة ومعد برامج في آن معا, ليتوجه ذات يوم للعمل لتستقبله رصاصة في جبهته وترديه على الفور فقط لأنه عراقي كردي.
وثمة لبنان بزمرة الصبية التي تحكمه وتتآمر عليه أكثر مما تخدمه, ورام الله التي تحررت من طهرها لتصير مقرا لمهندسي اتفاقات الذل العربي التي سميت باتفاقات أوسلو وما لحقها من إهانات على ذات الطراز.
الجديد ليس المكان أو البلد وحسب. بل الجديد الحدث المتكرر الذي يشي بعمق الهزيمة, وتحولها لجزء من الكيان العربي, وكيان العربي / تحولها لجزء من سايكولوجيا العربي المصاب بعاهة الهزيمة التي وإن بدت خاطفة كضربة سكين أو طعنة, فإنها تترك ندوبها مدى الحياة.
ما نقص المشهد الهزيل في الأساس كان إجماعا عربيا, وتآمرا عربيا على العرب أنفسهم. وآخر ما رشح من أخبار كان ترجيح توجه وزيري خارجية مصر والأردن لإسرائيل كممثلين عن الجامعة العربية في الخامس والعشرين من هذا الشهر. هذا ما يسمى: تآمرا على الذات بحجة تحريرها من قيودها.
ومن المعلوم طبعا أن الدول العربية, أو أغلبها, لا تزال تفرض مقاطعة سياسية ودبلوماسية تامة على إسرائيل وترفض التعامل معها من منطلق أنها "كيان عدو غير معترف به". مضحك كيف أن هؤلاء غير معترف فيهم أصلا!
ومن باب أن الساكت عن الحق شيطان أبكم وأحمق أيضا, لا أخرس وحسب, فمن المفيد القول أننا جميعا متواطؤون, بصمتنا أو فعلنا, لا فرق.
الأمثلة لا تحصى, ومن يقرأ التاريخ الذي لم يؤرخه التاريخ العربي الداجن سيرى أن ثمة تأريخ مقنع لما أوصلنا إلى الهاوية جدير بفضحه, ولا أجد مثالا أبلغ من عبث السعودية المصنفة على أنها معتدلة في دول عدة هي "صديقة" أصلا لها, ولمرتزقة "فتح الإسلام" كلمة فصل في هذا السياق.
يتقنون التآمر على أنفسهم بقدر مهارتهم في خداع أنفسهم والوقوف محل الضحية. وهذا بحد ذاته فن لا يتقنه سوى العرب.




http://news.maktoob.com/forum/showthread.php?p=732#post732