"ذوات الدم البارد"
سيطر علي خلال اليومين هاجس كون ما معنى المرء فاشلا أم ناجحا, وما ضوابط هكذا مسألة في عالم يهيم بالزيف ويغرق في الخداع, إذ ما الفرق بين ناجح وآخر فاشل سوى سلسلة اختلافات تافهة لا معنى لها؟
الأمر بالنسبة لي لا يعدو كونه مسألة نسبية لا يحكمها سوى المعيار الذاتي, و"هجمة" التعليقات الحاقدة التي اعترضتني على مدى اليومين الماضيين أثبتت لي أن التعميم مبدأ ثابت إذا ما حاول المرء تفكيك مسألة طارئة مستعينا بمشاهداته.
يظن كثيرون أن الكاتب مهما علا أو دنا قدره ومكانته ليس مخولا بالحديث سوى بالأسلوب الذي يقنع قارئه, مستخدما الأسلوب الأسلم والمفردات "الأنظف", مع مسحة من المحاباة والتساوق مع ما يريده القراء, على قاعدة أن "الجمهور عاوز كده".
لماذا يظن أحد أن الحقائق -بالمجمل- صافية وجميلة وواعدة؟
لا أعرف.
الحقيقة الثابتة الوحيدة أن الحقيقة مخيفة ومرعبة بالمطلق, وما يجعلنا قادرين عن تمييز الجيد من السيء, هو الشيء السيء بذاته.
ربما عجْزنا عن إعادة إنتاج نفسياتنا لتتوائم مع الواقع وتتعامل معه, جرنا إلى المنطقة التي نفضل, وهي المنطقة الآمنة حيث لا سائل ولا مسؤول, لا غالب ولا مغلوب, لا مخطئ ولا محسن ببساطة. وها الأسوء يأتي, إذ يتحول حياد الزواحف هذا إلى عدائية متناهية بمجرد أن حاول واحد من القطيع الخروج عن التقاليد وتجرأ.
لا يهم حينئذ إن كان الكلام صائبا أم لا, مفيدا أم مغرضا. كل ما يهم ذوات "الدم البارد" هؤلاء هو تصفية أي خارج عن قانون الزواحف, بلا أدنى تمحيص في محتوى "الجديد" المتاح.
ما المبرر القوي لحفنة من الصبية وسليطي اللسان ليهاجموا شخصا يرى الفرق "فاضحا" (لا واضحا وحسب) بين جامعة السبعينات والثمانينات وجامعة اليوم؟ ما مبرر أي كان ضعفت حجته حتى علا صوته؟
علي أن أعترف أن هذا الأسلوب ليس مبتكرا بقدر ما أنه دنيء. إذ عادة ما يسخن دم الزواحف هؤلاء إلى أن يشتموا, وإن لم يواجهوا بنفس الصفاقة والدناءة ذاتها يبدأون باستهداف الشخص بذاته, لا آرائه وحسب, ولا ما يقول فقط.
المستغرب أن ثمة اعتقادا لدى هؤلاء الغلمان أن الفضاء ضاق لدرجة أن لا مكان لهم ليوجهوا ردودهم فيه, بل ابتدأت أعتقد أني عنيت أشخاصا بأنفسهم!, وكأني شتمت أشخاصا محددين.
"العربي المريض" مجاز يليق بكل هؤلاء من الزواحف الذين يتجهون نحو الانقراض كيفما اتفق.
عربي مهزوم ومنكسر, ذليل وفقير, أخرس ومقموع.. لا يملك أن يفعل شيئا إزاء من يعبر عن آرائه سوى شتيمته.
أضحكني من وصف نفسيتي بالمشوهة, متناسيا أني أشخّص واقعا مريضا بالأساس, وأحاول تفكيك سبب انحطاط أعرق وأطهر مكان, ومنكرا على نحو غريب أن ثالوث الجامعة والبيت والشارع يشارك الثالوث المحرم (الدين, الجنس والسياسة) المسؤولية في إنتاج إعاقات فكرية مزمنة تجعل من الانحطاط أبديا حتى في أعرق العوالم وأرقاها.
المقلق أن ذوات الدم البارد تحتاج قرونا حتى تنقرض. وهذه -للأسف- حقيقة علمية لا يتنازع عليها إثنان.



